تحمل مصر إلى الدورة الـ114 لمؤتمر العمل الدولي، المنعقدة حاليًا في مدينة جنيف السويسرية، مجموعة من التجارب والمبادرات الوطنية التي تعكس رؤيتها الشاملة لتطوير سوق العمل وتعزيز الحماية الاجتماعية، وفي مقدمتها الاستراتيجية الوطنية للتشغيل، التي تمثل أحد أبرز النماذج المصرية المطروحة أمام المجتمع الدولي في مجال التشغيل والتنمية المستدامة.
وتُعد الاستراتيجية الوطنية للتشغيل حتى عام 2030 خريطة طريق متكاملة تستهدف بناء سوق عمل أكثر كفاءة ومرونة واستدامة، من خلال توفير نحو 1.4 مليون فرصة عمل سنويًا، وتعزيز التشغيل المنتج، وزيادة مساهمة القطاعات الصناعية والإنتاجية في خلق الوظائف، إلى جانب تحقيق مواءمة أكبر بين مخرجات التعليم والتدريب واحتياجات سوق العمل الفعلية.
كما تركز الاستراتيجية على تنمية مهارات المستقبل وتأهيل الكوادر البشرية لمواكبة التحولات الرقمية والتكنولوجية المتسارعة، مع دعم ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير قواعد البيانات ونظم معلومات سوق العمل، بما يسهم في رفع كفاءة التخطيط وصنع السياسات المرتبطة بالتشغيل.
وتعكس هذه الخطوات إدراك الدولة المصرية المبكر لتأثيرات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة على مستقبل الوظائف، وسعيها لإعداد قوى عاملة قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
وفي مجال الحوار الاجتماعي، يبرز المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي كأحد أهم النماذج المصرية الداعمة للتوافق بين أطراف العملية الإنتاجية. فمنذ إعادة تشكيله عام 2025 برئاسة وزير العمل، أصبح المجلس منصة وطنية للحوار حول السياسات والتشريعات العمالية، بما يحقق التوازن بين حقوق العمال ومتطلبات الاستثمار والتنمية الاقتصادية.
وقد لعب المجلس دورًا محوريًا في مناقشة مشروع قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، حيث ساهم في الوصول إلى توافقات واسعة بشأن العديد من مواده، الأمر الذي دعم الاستقرار داخل سوق العمل المصري ورسخ ثقافة الحوار الاجتماعي باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة.
وعلى صعيد الحماية الاجتماعية، شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في برامج التأمينات الاجتماعية ورعاية العمالة غير المنتظمة، إلى جانب تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي وتقديم الدعم للفئات الأولى بالرعاية.
كما أولت الدولة اهتمامًا خاصًا بتمكين المرأة اقتصاديًا وزيادة مشاركتها في سوق العمل، فضلًا عن التوسع في برامج التدريب والتأهيل المهني للشباب، ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة في مختلف الأنشطة الاقتصادية، بما يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة ومعايير العمل الدولية.
وفي ظل هذه التجربة المتكاملة، تشارك مصر في أعمال مؤتمر العمل الدولي وهي تمتلك رصيدًا من الخبرات والممارسات التي تتقاطع مع أبرز القضايا المطروحة على أجندة المؤتمر، سواء في مجالات التشغيل أو الحماية الاجتماعية أو الحوار الاجتماعي أو تنمية المهارات.
ومن المنتظر أن تستعرض مصر خلال جلسات المؤتمر ملامح هذه التجربة الوطنية، التي أسهمت في خفض معدلات البطالة، وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية للتشغيل، وتفعيل آليات الحوار الاجتماعي، في إطار رؤية تنموية تضع الإنسان في صدارة أولوياتها.
وتعكس المشاركة المصرية حرص الدولة على الإسهام الفاعل في النقاشات الدولية المتعلقة بمستقبل العمل والتنمية الاجتماعية، انطلاقًا من تجربة عملية حققت نتائج ملموسة على أرض الواقع، وعززت مكانة مصر كشريك مؤثر في صياغة الرؤى والسياسات المرتبطة بعالم العمل على المستويين الإقليمي والدولي.
وانطلقت اليوم الإثنين أعمال الدورة الـ114 لمؤتمر العمل الدولي في جنيف، بمشاركة ممثلين عن الحكومات وأصحاب الأعمال والعمال من مختلف دول العالم، لمناقشة التحديات الراهنة والمستقبلية التي تواجه أسواق العمل، وبحث السياسات الكفيلة بمواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية المتسارعة.