هيثم شعبان: مشروع الجينوم المصرى سيطور بروتوكولات علاج الأمراض المزمنة.. ويساعد فى التنبؤ قبل ظهور الأعراض

قال الدكتور هيثم شعبان، قائد إحدى المجموعات البحثية بكلية الطب جامعة جنيف، رئيس مشروع بحثى بمعهد أجورا لأبحاث السرطان بسويسرا، إن أبحاثهم تعمل على مواجهة السرطان وعكس مسار الشيخوخة.

وأوضح العالم المصرى، الذى تخرج فى كلية العلوم بجامعة الأزهر، فى حواره مع «الدستور»، أن تلك الأبحاث تساعد فى التنبؤ المبكر بالأمراض قبل ظهور أى عرض وتطوير الأدوية، لافتًا إلى أن هناك مسارًا بحثيًا يركز على تحديد الخلايا السرطانية بدقة- عبر فحص بنيتها الخلوية- ثم دفعها للشيخوخة، وفى النهاية التخلص منها بعلاجات موجهة.

وأشاد بمشروع الجينوم المصرى، الذى سيساعد الأطباء فى تحديد بروتوكولات علاجية مناسبة ودقيقة لكل حالة، وسيمكّنهم من الكشف المبكر عن الأمراض الوراثية والقلبية والسرطانات، وهو ما يعرف بـ«الطب الدقيق».

 

■ بداية.. ما تفاصيل أبحاثك حول حركة الجينوم داخل الخلايا السرطانية الحية؟ وكيف يمكن لهذه التقنيات أن تُحدث تحولًا فى التشخيص المبكر وعلاج السرطان؟

– لا نتعامل مع الجينوم كخيط «DNA» ثابت داخل النواة، بل كبنية ديناميكية تتحرك باستمرار وتتغير حسب حالة الخلية؛ فداخل النواة يلتف الـ«DNA» حول بروتينات، ويتكون منه الكروماتين، وهذا الكروماتين لا يكون موزعًا بشكل عشوائى؛ فبعض المناطق يكون مفتوحًا ونشطًا، وبعضها يكون مضغوطًا وصامتًا، وبعض الجينات يقترب من مناطق تنظيمية، وبعضها يبتعد.

أما فى الخلايا السرطانية، فهذا التنظيم يختل؛ فقد نجد مناطق من الجينوم أصبحت أكثر انفتاحًا أو أكثر انغلاقًا، أو أن حركة الكروماتين تغيّرت بطريقة تعكس فقدان الخلية هويتها الطبيعية أو استعدادها لمقاومة العلاج. لذلك، عندما ندرس حركة الجينوم فى الخلايا الحية، فنحن نحاول قراءة الحالة الداخلية للخلية وهى تعمل، وليس بعد موتها أو تثبيتها كيميائيًا فقط.

ويمكن أن تُحدث هذه التقنيات تحولًا كبيرًا فى علاج السرطان لثلاثة أسباب، أولًا: لأنها قد تكشف تغيّرات مبكرة جدًا فى الخلية قبل أن تظهر التغيّرات النسيجية التقليدية، وثانيًا: لأنها تساعدنا فى فهم لماذا يستجيب بعض الخلايا للعلاج، بينما تقاوم خلايا أخرى العلاج نفسه؟، وثالثًا: لأنها قد تسمح بتطوير مؤشرات جديدة تعتمد على تنظيم الكروماتين وحركة الجينوم للتنبؤ باستجابة المريض، خصوصًا فى العلاج المناعى والعلاجات الموجهة.

■ ما أبرز ما توصلتم إليه بشأن العلاقة بين الشيخوخة والخلايا المسرطنة؟

– إحدى أهم الدروس التى تعلمناها، أن الشيخوخة والسرطان مرتبطان بعمق؛ فمع التقدم فى العمر تتعرض الخلايا لتلف متكرر فى الـ«DNA»، وإجهاد تأكسدى، واضطراب فى تنظيم الكروماتين، وضعف فى آليات الإصلاح، وبعض هذه الخلايا تدخل فى حالة تسمى الشيخوخة الخلوية، أى أنها تتوقف عن الانقسام لكنها لا تموت.

ونهتم فى أبحاثنا بشكل خاص بفهم كيف تغير الخلايا المسنة بيئة الورم، وكيف تتفاعل مع الخلايا المناعية، وكيف يمكن أن تؤثر على العلاج المناعى. 

الفكرة المهمة هنا أن السرطان لا يعتمد فقط على الخلية السرطانية نفسها، بل على البيئة المحيطة بها، بما فيها الخلايا المناعية، والخلايا الليفية، والخلايا المسنة، وتنظيم الجينوم داخل كل هذه الخلايا.

■ ما أهمية أبحاث الخلايا المسنة فى علاج السرطان وأمراض الشيخوخة؟

– أصبحت الخلايا المسنة محورًا مهمًا؛ لأنها تقع فى نقطة التقاء بين الشيخوخة والسرطان والأمراض المزمنة؛ فهى ليست ميتة وليست طبيعية تمامًا، بل خلايا فى حالة توقف وظيفى، لكنها نشطة فى إفراز مواد تؤثر على الأنسجة. وفى أمراض الشيخوخة، تراكم هذه الخلايا قد يؤدى إلى الالتهاب المزمن، وضعف تجدد الأنسجة، وأمراض القلب، وأمراض الأعصاب، والتليف، والسكرى، وضعف المناعة، والسرطان، ويمكن أن تتسبب تلك الخلايا فى خلق بيئة داعمة للورم، أو تثبيط المناعة، أو مقاومة العلاج. لذلك، هناك اتجاهان علاجيان مهمان؛ الأول: إزالة الخلايا المسنة الضارة باستخدام علاجات تسمى «senolytics»، والثانى: التحكم فى إفرازاتها الالتهابية أو إعادة برمجتها، بحيث تصبح أقل ضررًا. وفى السرطان تحديدًا، هناك أيضًا فكرة علاجية مهمة: دفع الخلايا السرطانية إلى الشيخوخة لإيقاف نموها، ثم التخلص منها لاحقًا بعلاجات موجهة. وتلك استراتيجية واعدة، لكنها تحتاج إلى دقة عالية؛ حتى لا نخلق بيئة التهابية تساعد الورم بدلًا من القضاء عليه.

■ ما أبرز النتائج التى توصلتم إليها فى أبحاث الشيخوخة وعلاقتها بالجينوم؟ وهل أصبح الحديث عن «إبطاء الشيخوخة» علمًا حقيقيًا أم ما زال فى إطار التجارب؟

– من أهم النتائج فى هذا المجال أن الشيخوخة ترتبط بتغيرات عميقة فى تنظيم الجينوم والكروماتين؛ فالخلية الشابة والخلية المسنة لا تختلفان فقط فى نشاط بعض الجينات، بل تختلفان فى البنية المعمارية للنواة، وفى درجة انفتاح الكروماتين، وفى توزيع المناطق النشطة والصامتة، وفى حركة الجينوم داخل الخلية.

فى أبحاثى، كان الاهتمام دائمًا بفهم هذه الطبقة المعمارية والديناميكية من الجينوم: «كيف تتغير مع الشيخوخة؟ وهل يمكن قياسها؟ وهل يمكن استخدامها كبصمة لعمر الخلية أو حالتها؟». وهذا مهم لأن الشيخوخة ليست حالة واحدة، بل توجد أنواع مختلفة من الشيخوخة الخلوية حسب نوع الخلية، ونوع الإجهاد، والبيئة المحيطة.

أما إبطاء الشيخوخة فأصبح علمًا حقيقيًا من حيث الفهم والفرضيات والتجارب قبل السريرية. وهناك مسارات بيولوجية واضحة، وتجارب على نماذج حيوانية، وبعض التجارب السريرية المبكرة، لكنه لم يصبح بعد طبًا روتينيًا آمنًا ومتاحًا للجميع، فنحن فى مرحلة انتقالية بين الفهم العلمى والتطبيق الطبى.

■ هل سنرى فى المستقبل أدوية مخصصة لإبطاء التقدم فى العمر؟

– أعتقد أننا سنرى أدوية تستهدف مسارات مرتبطة بالشيخوخة، لكن ربما لن تكون أدوية عامة لكل الناس، والأرجح أننا سنتجه نحو تدخلات مخصصة حسب العمر البيولوجى، ونوع النسيج، والخلفية الجينية، والحالة المناعية، ونمط الحياة، وهذا سيكون جزءًا من الطب الدقيق، وليس فقط من طب الشيخوخة.

■ ما أهمية مشروع الجينوم المصرى على المستويين العلمى والصحى؟ وما الذى يجعله مشروعًا استراتيجيًا لمصر؟

– مشروع الجينوم المصرى مشروع استراتيجى؛ لأنه يمكن أن ينقل مصر إلى عصر الطب الدقيق. وجود قاعدة بيانات جينية للمصريين سيساعد فى فهم الاستعداد الوراثى للأمراض، وتحسين التشخيص، وتطوير علاجات أكثر ملاءمة، وربط البحث العلمى بالصناعة والطب.

وأهميته أنه يبنى معرفة خاصة بالمصريين، بدل الاعتماد الكامل على قواعد بيانات أجنبية لا تمثلنا بدقة، فمصر لها تاريخ سكانى وجينى وبيئى خاص، وهذا قد يؤثر على انتشار بعض الأمراض، والاستجابة للأدوية، والطفرات الوراثية الشائعة. والمشروع مهم صحيًا لأنه يمكن أن يساعد فى الكشف المبكر عن الأمراض، وفهم الأمراض الوراثية، وتحسين علاج السرطان، وتحديد مخاطر بعض الأمراض المزمنة، وهو مهم علميًا لأنه سيضع مصر على خريطة أبحاث الجينوم عالميًا إذا جرى تنفيذه بمعايير عالية. وهو مهم اقتصاديًا لأنه يمكن أن يكون نواة لصناعة تشخيص جينى وطب شخصى وتكنولوجيا حيوية محلية.

■ كيف يمكن ربط نتائج مشروع الجينوم المصرى بتطوير صناعة الدواء والطب الشخصى فى مصر؟

– يجب أن يكون هناك رابط واضح بين المشروع والجامعات والمستشفيات وشركات الدواء والتكنولوجيا الحيوية. بيانات الجينوم يمكن أن تكشف أهدافًا علاجية جديدة، وتساعد فى تصميم اختبارات تشخيصية، وتحسين اختيار المرضى للتجارب السريرية.

فى صناعة الدواء، الجينوم يمكن أن يساعد فى فهم لماذا تنتشر أمراض معينة فى مصر، وما المسارات البيولوجية المرتبطة بها، وما الأهداف العلاجية التى يمكن تطوير أدوية ضدها. كما يمكن استخدام البيانات الجينية لتحسين التجارب السريرية، بحيث يجرى اختيار المرضى الأكثر احتمالًا للاستجابة لعلاج معين.

فى الطب الشخصى، يمكن للمشروع أن يدعم تطوير اختبارات تساعد الطبيب فى اختيار العلاج الأنسب لكل مريض، خصوصًا فى السرطان، وأمراض القلب، والأمراض الوراثية، وبعض الأمراض المناعية. هذا يمكن أن يقلل التكلفة على المدى الطويل، لأنه يقلل استخدام علاجات غير فعالة.

ما المشروعات أو الأبحاث التى تعمل عليها حاليًا؟ وما الذى يمكن أن تُغيره مستقبلًا فى عالم الطب؟

– نعمل حاليًا على فك شفرة «هوية الخلية» وكيفية تغيرها مع الأورام والتقدم فى العمر، لابتكار أدوات تشخيصية وعلاجية أكثر دقة.

المحور الأول فى عملنا هو مواجهة السرطان؛ عبر دمج التصوير المتقدم بالذكاء الاصطناعى وتحليل الكروماتين لفهم بيئة الورم، ومعرفة سبب استجابة مرضى للعلاج المناعى دون غيرهم، والتنبؤ بذلك مبكرًا عبر قراءة «بصمة الخلية» وشكل نواتها وحركة جينومها.

والمحور الثانى عكس مسار الشيخوخة؛ عبر اكتشاف المسارات البيولوجية التى تحوّل الخلايا المسنة إلى مصدر التهاب مزمن يسبب أمراض القلب، وألزهايمر، والتليف. والهدف ليس إطالة العمر زمنيًا، بل زيادة «سنوات العمر الصحى» عبر التخلص الانتقائى من هذه الخلايا أو إعادة برمجتها.

تم النشر في
مصنف كـ 7 موسوم كـ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *