السبت 16/مايو/2026 – 03:22 م
أصدرت النيابة العامة، بيانًا حول افتتاح غرف تحقيق صديقة للطفل بنيابة جرجا الجزئية على نفقة أعضاء النيابة، والمتابعة التطوعية لرئيس نيابة العاشر من رمضان لإحدى دور الرعاية تنفيذًا لمبادرة النائب العام.
رؤيةُ النيابةِ العامةِ ما بينَ الاختصاصِ الوظيفيِّ والبُعدِ الإنسانيِّ
جاء فيع: إنَّ النيابة العامة باعتبارِها شعبةً أصيلةً من شُعَبِ القضاء، كفَلَ لها الدستورُ والقانونُ أمانةَ تمثيلِ المجتمع، من خلالِ إنفاذِ صحيحِ القانون، في إطارٍ من استشعارِ عِظَمِ المسؤولية، واستحضارِ جلالِ الرسالةِ التي تؤديها كسلطةِ تحقيقٍ واتهام فعليةٍ، تنتزعُ الحقيقةَ بالدليلِ قبل ضياعِه لتفنِّدَ الباطلَ بها عدلًا وقصدًا.
ومن هنا تأتي الطبيعةُ المتفرِّدةُ للعملِ بالنيابةِ العامة؛ لتشملَ خصائصَ متعددةً، فإنْ وقفتْ عندَ تطبيقِ القانونِ بصورةٍ مجردةٍ، أصبحتْ جامدةً منعزلةً عن المجتمعِ الذي تحمي حقوقَ أفراده، وإنْ غابَ عنها السِّمَتُ القضائيُّ، انزلقتْ إلى خارجِ حدودِ دورِها الأصيل، وابتعدتْ عن طبيعتِها القضائيةِ المتوازنة.
ولذلك جاءتْ رؤيةُ النيابةِ العامةِ في الآونةِ الأخيرةِ قائمةً على تحقيقِ التوازنِ بينَ هذا وذاك؛ فهي التي تقومُ على أداءِ اختصاصاتِها الأصيلةِ دونَ جمودٍ يُغفِلُ البُعدَ الإنسانيَّ المتصلَ اتصالًا وثيقًا باختصاصاتِها المنصوصِ عليها قانونًا.
ولعلَّ من أبرزِ ما يُمثِّلُ ذلك – على سبيلِ المثالِ لا الحصر – اختصاصُ النيابات المختلفة بالإشرافِ على دورِ الرعايةِ، تحتَ إشرافِ مكتبِ حمايةِ الطفلِ والأشخاصِ ذوي الإعاقةِ والمسنين، من خلالِ الزياراتِ الدوريةِ ومتابعتِها لتلك الدور. وإنْ كانَ اختصاصُ الإشرافِ في أصلِه اختصاصًا وظيفيًّا، إلا أنَّه ما كانَ ليؤتي بحقٍّ ودقةٍ دونَ وصلٍ حقيقيٍّ بينَ أعضاءِ النيابةِ العامةِ وساكني تلك الدور من أطفالٍ ومسنين وذوي هِمَم.
فكانتْ ثمرةُ ذلك – وباستعراضِ الكشوفِ الربعيةِ السنويةِ لما تمَّ إنجازُه من قضايا وغيرها من شؤونٍ قضائية – أنْ تبيَّنَ ما تحققَ نفاذًا لتلك الرؤيةِ في بعضِ النيابات، حيثُ كانَ الاتصالُ الإنسانيُّ الحقيقيُّ البعيدُ عن الجمودِ الإداريِّ نتيجتَه إنقاذُ حياةِ طفلة، وإعدادُ أوراقٍ ثبوتيةٍ لأخريات، بل وامتدَّ الأمرُ ليشملَ تجهيزَ غرفِ تحقيقٍ صديقةٍ للطفلِ دونَ مبادراتٍ رسميةٍ أو تمويل.
فما كانَ من عضوِ النيابةِ الذي اتصلَ وزارَ وعايشَ أطفالَ إحدى دورِ الرعايةِ، إلا أنْ جمعَ من مال الله ما أُجريتْ به لطفلٍ عمليةُ جراحةٍ عاجلة، وما كانَ من أحدِ أقرانِه أيضًا إلا أنْ جدَّ في إنهاءِ الإجراءاتِ الخاصةِ بالأوراقِ الثبوتيةِ لعددٍ من الفتياتِ، بل وامتدَّ الأمرُ في دورٍ أخرى ليشملَ توزيعَ الألعابِ والمأكولاتِ المحببةِ للأطفالِ على قاطني دورِ الرعاية، واستدعاءَ قاطني الدورِ المختلفةِ لأعضاءِ النيابةِ إذا غابتْ زياراتُهم، فضلًا عن أعضاءَ آخرينَ جمعوا من مالِهم الخاصِّ لتجهيزِ غرفٍ للتحقيقِ تناسبُ ما لمسوه عن قربٍ من احتياجاتٍ نفسيةٍ أصيلةٍ لهؤلاءِ الأطفالِ الأَوْلى بالرعاية؛ ليضحى ذلك هو حالَ من يستمعونَ القولَ فيتبعونَ أحسنَه.
ولم يكن لهذا التوجه أن يبلغ ما بلغه من أثر ملموس، لولا ما يضطلع به مكتب حماية الطفل والأشخاص ذوي الإعاقة والمسنين – من دور محوري في متابعة هذا الاختصاص وتفعيله، من خلال الإشراف المستمر، والتوجيه الداعم، ورصد الجهود المبذولة في هذا الشأن، بما أسهم في ترسيخ تلك الرؤية الإنسانية داخل إطار العمل القضائي، وتحويلها من مجرد اختصاص وظيفي إلى ممارسة واقعية تعكس جوهر رسالة النيابة العامة في حماية الفئات الأولى بالرعاية.
ولعلَّ ما في ذلك كلِّه من رسالةٍ، أنَّ من يريدُ العملَ والخيرَ – أيًّا كانَ موقعُه – سيجدُ له سبيلًا ومنفذًا، وأنَّ من يريدُ الجمودَ والوهنَ سيجدُ لنفسِه من كلِّ بابٍ ذريعةً