Logo
logo-icon
رأي

كأس العالم على شاشة ثانية

 معتز نادي
السبت 20-06-2026 01:05
  معتز نادي  

المباراة لا تبدأ مع صافرة الحكم، فهى تبدأ قبلها بساعات، وربما أيام، مع أول منشور عن التشكيل المتوقع، وأول تعليق عن اللاعب الذى يجب أن يبدأ، وأول خريطة تكتيكية مرسومة بثقة من شخص لم يدرب فريقا فى حياته، لكنه يعرف تماما أين أخطأ المدرب.

ثم تأتى المباراة، ومعها 90 دقيقة فى الملعب، وآلاف الدقائق على الهاتف.

أخبار متعلقة

لاعب يُمرر الكرة للخلف، فتفتح التعليقات محكمة صغيرة.

مدرب يُجرى تبديلا، فيتحول القرار إلى استفتاء شعبى.

فرصة تضيع، فيُعاد نشرها من 5 زوايا، كأنها دليل جنائى، لا لقطة كرة قدم.

المنتخب يلعب أمام الخصم، والجمهور يلعب أمام نفسه، وهو يحلل، يغضب، يسخر، يدافع، يندم، ثم يبدأ كل شيء من جديد مع الهجمة التالية.

عُد بالذاكرة لكبار المواطنين، ستجد فى ذاكرة المهتمين منهم أن تشجيع المنتخب فى كأس العالم كان طقسا أبسط.

بيت ممتلئ، أعصاب مشدودة، طبق ترمس أو كوب شاى ثقيل، وصوت معلق يعلو فوق صوت العائلة، ونَفْس تتمنى وجود منتخبها بين المتنافسين.

بعد المباراة نختلف قليلا، نلوم الحكَم كثيرا، ونؤجل التحليل إلى الاستوديو أو إلى قعدة الأصدقاء.

الآن، صار الاستوديو فى جيب كل مشجع. كل هاتف منصة.

كل مشجع محلل محتمل، وكل تعليق صغير قد يكبر فجأة ويصبح رأيا عاما مؤقتا.

فى هذا التحول جانب جميل لأن الفضاء الرقمى منح الجمهور مساحة لم تكن متاحة من قبل. التشجيع صار لا يقف عند التصفيق أمام الشاشة وانتظار ما يقوله المذيع أو الصحفى أو المدرب بعد المباراة.

أصبح المشجع جزءا من النقاش فهو يسأل، يراجع، يقارن، ويكشف أحيانا ما يفوت على البرامج الطويلة.

منصات السوشيال ميديا جعلت حب المنتخب القومى أكثر علنية، وأكثر سرعة، وأكثر صخبا أيضا.

لكن المفارقة أن هذا الاتساع نفسه ضيّق المسافة بين التشجيع والمحاكمة.

فى لحظة واحدة، يتحول اللاعب من بطل قومى إلى عبء على الخطة.

وفى لقطة واحدة، يصبح المدرب عبقريا أو رجلا لا يرى ما يراه جمهور جالس على الأريكة.

لا أحد يطلب من الجمهور أن يكتم رأيه لأن كرة القدم بلا جدل تفقد نصف مذاقها.

لكن سرعة الحكم أحيانا تسبق الفهم، وسهولة التعليق تجعل القسوة تبدو خفيفة، مع أنها تصل ثقيلة جدا إلى مَن فى الملعب.

كأس العالم اليوم لا تعيش فى شاشة واحدة. هناك شاشة تنقل المباراة، وشاشة ثانية تصنع معناها بعد كل لقطة.

الأولى تعرض ما حدث، والثانية تقرر كيف سنتذكره.

وقد تكون الثانية أحيانا أقوى لأنها لا تنتظر نهاية المباراة، ولا تمنح أحدا فرصة لالتقاط النفَس.

المنتخب الوطنى فى هذه البيئة يحمل أحلام جمهوره وضجيجه الرقمى معا.

اللاعب يعرف أن تمريرة خاطئة لن تضيع فى الهواء، والمدرب يعرف أن كل اختيار سيُعاد تفكيكه قبل المؤتمر الصحفى وبعده.

والجمهور يعرف أنه لم يعد جالسا فى المدرج وحده، فكل واحد بين الصفوف فى مساحة واسعة، يسمعه فيها آلاف وربما ملايين عبر الفضاء الرقمى.

ربما لا نحتاج إلى تشجيع أقل، ولا إلى تحليل أقل.

نحتاج فقط إلى مسافة صغيرة بين الانفعال والحكم.

مسافة تسمح للفرحة أن تفرح، وللغضب أن يهدأ قليلا، وللنقد أن يصل من دون أن يتحول إلى حجر.

نحن لا نشاهد المنتخب فقط، نحن نصنع روايتنا عنه، لقطة بعد لقطة، وتعليقا بعد تعليق.

والسؤال الذى يليق بهذا الزمن: هل سنترك للمنتخب فرصة أن يلعب المباراة، أم سنُنهيها نحن مبكرا على الشاشة الثانية دون انتظار لصافرة النهاية؟.

loader
loader