Logo
logo-icon
رأي

هل ما زلنا نُربى الذوق؟!

 محمد إبراهيم طعيمة
السبت 20-06-2026 00:00
  محمد إبراهيم طعيمة  

قبل سنوات طويلة، لم يكن أحد يتحدث عن «الذوق العام» باعتباره أزمة تستحق النقاش، لم نكن نستيقظ كل يوم على مشاجرة جديدة بسبب منشور على مواقع التواصل الاجتماعى، أو قطيعة بين أصدقاء بسبب تعليق عابر، أو خلاف أسرى يتحول إلى معركة مفتوحة يتابعها آلاف الغرباء عبر الشاشات.

أخبار متعلقة

لم يكن الناس ملائكة بالطبع، ولم تكن الحياة خالية من المشكلات، لكن كان هناك شيء يحكم العلاقات ويضبطها اسمه «الذوق»؛ ذلك المفهوم البسيط الذى تعلمناه فى البيت قبل المدرسة، وفى الشارع قبل الجامعة، وفى الفن قبل مواقع التواصل الاجتماعى.

واليوم، وبينما ننشغل بالحديث عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يبدو أن هناك أزمة أخرى تتسلل بهدوء إلى حياتنا، ربما لا تقل خطورة عن غيرها، وهى أزمة الذوق، لكن السؤال الأهم ليس: أين ذهب الذوق؟، بل: هل ما زلنا نُربى الذوق أصلًا؟، فالذوق لا يولد مع الإنسان، ولا يُشترى، ولا يُفرض بالقوانين، بل يُكتسب بالتربية والتعليم والثقافة والقدوة.

قديمًا، كانت هناك مؤسسات كثيرة تشارك فى هذه المهمة بشكل مباشر أو غير مباشر؛ الأسرة، والمدرسة، والمكتبة، والمسرح، والسينما، والإذاعة، والصحافة، والتليفزيون؛ كلها كانت تسهم بدرجات مختلفة فى تشكيل الوعى والسلوك وتقديم نماذج تحتذى بها الأجيال، أما اليوم، فقد تغير المشهد كثيرًا.

اختفت المكتبات من حياة كثيرين، وتراجعت عادة القراءة، وأصبح قطاع كبير من الشباب يتلقى معلوماته وأفكاره من مقاطع قصيرة لا تتجاوز دقيقة أو دقيقتين، يقدمها أشخاص لا نعرف أحيانًا من أين جاءوا، ولا ما هى خبراتهم، ولا ما الذى يدفعهم للحديث فى كل شيء.

وأصبح «الترند» لدى البعض أهم من الحقيقة، وعدد المشاهدات أهم من جودة المحتوى، واختلطت الأصوات حتى بات من الصعب أحيانًا التفرقة بين صاحب المعرفة الحقيقية وصاحب الضجيج الأكبر.

ولم تتوقف الأزمة عند حدود المعرفة فقط، بل امتدت إلى العلاقات الإنسانية نفسها؛ ففى الماضى، عندما كانت تنشب أزمة بين زوج وزوجته، أو بين أب وابنه، أو بين صديقين، كانت الأسرة تتدخل غالبًا بحثًا عن الحل، وكان الكبار يسعون إلى الإصلاح ولَمّ الشمل وإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعى.

أما اليوم، فقد أصبح هناك جيش كامل من المحرضين الجدد خلف الشاشات، لا يعرفون أطراف المشكلة، ولا يعيشون تفاصيلها، لكنهم مستعدون لإصدار الأحكام وإشعال الخلافات خلال ثوانٍ؛ فريق يشجع على القطيعة، وفريق يدفع نحو التصعيد، وآخر يطالب بالانتقام، وكأن الهدف لم يعد إصلاح العلاقات، بل هدمها، ولهذا لم يعد غريبًا أن نرى صداقات تنتهى بسبب منشور، أو أسرًا تتفكك بسبب نصيحة مجهولة المصدر، أو أبناء يبتعدون عن آبائهم وأمهاتهم تحت تأثير محتوى لا يعرف أحد أهدافه الحقيقية.

ولأن الفن كان دائمًا إحدى أهم أدوات تربية الذوق، فإن تراجع دوره ترك أثره هو الآخر، فالأعمال الفنية العظيمة التى نشأنا عليها لم تكن تقدم عالمًا مثاليًا يخلو من الأخطاء، لكنها كانت تقدم مجتمعًا حيًا ومتوازنًا؛ ففى أعمال مثل «ليالى الحلمية» و«المال والبنون» و«الشهد والدموع» كنا نرى الصالح والطالح، والناجح والفاشل، والشريف والفاسد، لكننا كنا نرى أيضًا أن الخير موجود، وأن الأمل قائم، وأن القيم النبيلة قادرة على الانتصار.

أما فى كثير من الأعمال الحديثة، فيبدو أحيانًا وكأن المجتمع كله أصبح فاسدًا، والجميع خونة، وكل العلاقات محكومة بالمصلحة، وكل الشخصيات غارقة فى القبح والعنف والكراهية، وبالرغم من أن الفن يجب ألا يزيف الواقع أو يجمل الأخطاء، فإنه لا ينبغى أيضًا أن يقدم السواد باعتباره الصورة الوحيدة للحياة لأن المشاهد حين يرى نماذج إيجابية إلى جانب النماذج السلبية يدرك أن هناك اختيارات مختلفة ومسارات متعددة.

أما حين يرى القبح وحده، فقد يعتاد عليه، أو يظنه القاعدة الطبيعية التى لا مفر منها، لهذا أعتقد أننا فى حاجة إلى العودة إلى أصل الحكاية، إلى الأسرة التى تربى قبل أن تعاقب، إلى المدرسة التى تغرس القيم قبل أن تمنح الدرجات، إلى المكتبة التى تفتح العقول وتوسع الخيال، إلى الإعلام الذى يبحث عن التأثير الحقيقى لا الإثارة المؤقتة، وإلى الفن الذى يبنى الإنسان قبل أن يطارد نسب المشاهدة والأرباح.

نحن لا نحتاج إلى دروس جديدة فى الذوق بقدر ما نحتاج إلى استعادة البيئة التى كانت تصنعه، نحتاج إلى أن نعيد الاعتبار لقيم بسيطة وجميلة عرفها المصريون عبر أجيال طويلة؛ الاحترام، والحياء، والتسامح، والمودة، والجدعنة، وجبر الخواطر، والقدرة على الاختلاف دون كراهية.

الذوق ليس رفاهية، وليس مجموعة قواعد جامدة للسلوك، بل هو انعكاس لمنظومة كاملة من التربية والثقافة والقيم، وحين ننجح فى تربية الذوق من جديد، سنكتشف أننا لم نكن نعالج مشكلة فى الكلام أو التصرفات فقط، بل كنا نعيد بناء جزء مهم من المجتمع نفسه.

loader
loader