فى الماضى، كانت الأمور واضحة. من ينتصر عسكريا، يحصد كل شىء. بمجىء القرن العشرين. لم يعد الأمر كذلك. يمكنك الفوز عسكريا والخسارة سياسيا. خلال العدوان الثلاثى عام 1956، تلقت مصر ضربات عسكرية مؤلمة، لكنها، فى نهاية المطاف، فازت سياسيا.

استردت قناة السويس وخرج عبدالناصر أقوى وأكثر نفوذا. بدأ نجم الإمبراطورية التى لم تكن الشمس تغيب عنها ( بريطانيا)، والتى تآمرت لشن العدون، يخبو إلى أن تلاشى. التاريخ يكاد يعيد نفسه مع إيران. تآمرت عليها القوة العظمى الوحيدة(أمريكا) مع إسرائيل. جرى تدمير 85٪ من قدراتها العسكرية والنووية والصناعية. عشرات القادة والمسؤولين جرى اغتيالهم. لكن الحروب تُقاس فى نهاية المطاف بنتائجها السياسية، وليس بإحصاءات ساحة المعركة.

بدأت الحرب 28 فبراير الماضى بإنذار من ترامب: استسلام إيرانى غير مشروط. انتهت بوقف إطلاق نار غير مشروط تم تمديده لصالح المفاوضات. الباحث الأمريكى كليفورد ماى يقول: «حكام إيران لا ينتصرون فى ساحات المعارك، لكنى لا أذكر أنهم خسروا يوماً فى المفاوضات». مارس الإيرانيون أسلوب السوق( البازار)، أى المساومة المستمرة والدؤوبة. بمرور الوقت أُصيب الأمريكيون بالإنهاك. النتيجة مذكرة تفاهم فضفاضة يمكن تفسيرها بأشكال شتى. ليست معاهدة استسلام، كما أراد ترامب. لكنها أقرب إلى مساومة بين أنداد. كل طرف يُعطى بمقابل. ومع ذلك، من الصعب وصف المذكرة بالاتفاق. تقريبا، كل القضايا المهمة تم ترحيلها لمفاوضات تستغرق 60 يوما، وعلى الأرجح سيتم تمديدها مرارا. البت فى البرنامج النووى والصاروخى والدور الإقليمى لإيران تأجل. خلال المفاوضات المقبلة، سيضيق هامش المناورة أمام ترامب. انتخابات التجديد النصفى للكونجرس فى نوفمبر تقترب. الخوف من تردى الوضع المعيشى للأمريكيين لو تجددت الحرب، يشل تفكيره.

حليفه نتنياهو الذى أقنعه بالحرب، وقبلها بإلغاء اتفاق أوباما النووى 2015، فى وضع وصعب للغاية. نعم حقق إنجازات عسكرية، لكن هدفه، وهو إسقاط النظام الإيرانى، لم يتحقق. إسرائيل فى عهده أصبحت«تابعة» لأمريكا بشكل غير مسبوق. القرارات الكبرى الخاصة بها يتم اتخاذها بواشنطن. إيران، من جانبها، استخدمت أوراقها جيدا، سواء بشأن مضيق هرمز أو تهديد مصالح أمريكا فى المنطقة ومهاجمة الجيران. نظامها السياسى أثبت صلابته وقدرته على انتزاع المكاسب. أجاد بشدة الاستفادة من الورقة اللبنانية.

لكن الحديث عن انتصار طرف على آخر أقرب إلى الوهم. ترامب لا يتوقف عن تأكيد انتصارأمريكا. مع أنه ظل أسابيع يتسول موافقة طهران على بنود المذكرة، التى تتعامل مع إيران على قدم المساواة. نتنياهو يدعى النصر أيضا. زاعما أن إسرائيل فرضت شروطها وقضت على النووى الإيرانى وتهديد حزب الله. الواقع يقول غير ذلك. النووى قيد التفاوض والحزب يواصل المقاومة.

أما إيران، فإن ما تكبدته من خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة، يجعل رفع شعار النصر مبالغاً فيه. الأطراف كلها تخرج مثخنة الجراح. كلامها عن النصر للاستهلاك المحلى والدعائى. وكما يقول الفيلسوف الرومانى سينيكا: « لا شىء أكثر تعاسة من النصر». خاصة إذا كان نصراً وهمياً، كما أعتقد. أحوال الشعوب بعد الحروب هى التى تحدد ما إذا كان ما حدث نصرا أم وهما؟.