الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران خلال الشهور الأربعة الماضية والاتفاق مع الولايات المتحدة الأخير، سعت فيه الولايات المتحدة بالوكالة عن إسرائيل خلال المفاوضات لمنع إيران من حيازة يورانيوم مخصب، حتى لو كان لاستخدامات مدنية وبضمانات دولية. وهو ماتم مؤخرًا فى الاتفاق الأخير. لا تشير وسائل الإعلام العالمية ولا المحللين المتخصصون لوقائع الحرب إلى إجحاف هذا المطلب فى ظل امتلاك إسرائيل الآن ومنذ عقود لمئات الرؤوس النووية، وأن الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية هى أن يكون لإسرائيل فى منطقة الشرق الأوسط ليس فقط التفوق العسكرى، وإنما أيضا الامتلاك الأوحد للسلاح النووى. أما «الخزعبلات» والضجة التى يطلقها الرئيس ترامب إعلاميا حول خطورة امتلاك إيران لليورانيوم المخصب، فلا أساس لها من الصحة، فضلا عن أن الغرض الحقيقى منها هو صرف النظر عن كون إسرائيل دولة نووية، وعن أن الخطر الحقيقى على المنطقة والسلم العالمى مصدره طموحات التوسع الجغرافى لإسرائيل التى تباشره بقوة السلاح والوحشية فى أرض فلسطين الأصلية وفى أراضى الدول المتاخمة لها. يفيد فى هذا الخصوص التعرف على علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل فيما يتعلق بالسلاح النووى الإسرائيلى.

بدأ اهتمام حكومة إسرائيل بامتلاك سلاح نووى منذ إنشائها فى ١٩٤٨، حيث كان دافيد بن جوريون رئيس وزرائها. وعندما بدأت الأخبار تتسرب حول سعى حكومة بن جوريون لإنشاء مفاعل نووى فى ديمونة بصحراء النقب، خاطب الرئيس كينيدى بن جوريون معربا عن قلقه بشأن هذا المسعى وملوحا بأن هذا الأمر يعرض دعم الولايات المتحدة المالى والعسكرى للتقويض. ادعى بن جوريون وقتها أن ما أنشئ هو مركز أبحاث ليس إلا، واتفق وقتها على قيام بعثة فنية أمريكية بزيارة الموقع وإعداد تقرير دورى سنويا عنه يقدم للحكومة الأمريكية. وخلال هذا قامت إسرائيل بإخفاء وطمس معالم الجزء الخاص بالمفاعل لكى تخرج تقارير البعثة لصالحها. وفى عام ١٩٦٣ توافر للرئيس كينيدى معلومات استخبارية تفيد بأن نشاط مركز ديمونة يتجاوز نشاط البحوث. حينئذ أرسل كينيدى لبن جوريون خطابا شديد اللهجة محذرا بن جوريون من عواقب هذا الأمر على استمرار الدعم المالى والعسكرى الأمريكى. كانت دوافع الرئيس كينيدى أخلاقية، وكذلك استفادة من درس الصواريخ الكوبية التى كانت تنذر بمواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى (صاحب منصة الصواريخ وقتها). لم يرد بن جوريون، وقام بتصرف مفاجئ وهو الاستقالة من رئاسة الحكومة. أثارت هذه الاستقالة استغراب المراقبين والمحللين وقتها، لاسيما أن بن جوريون هو مؤسس الدولة العبرية. وأعزى هذا التصرف إلى أن بن جوريون لا يريد تحمل عواقب التهديد الأمريكى، ولا يريد فى نفس الوقت تقليص أو تقويض البرنامج النووى لإسرائيل. وفوجئ العالم بعد ذلك بشهور باغتيال الرئيس كينيدى، وظلت قضية اغتياله لغزا محيرا حتى يومنا هذا.

تولى ليفى أشكول رئاسة الحكومة الإسرائيلية خلفا لبن جوريون، وتولى ليندون جونسون رئاسة الولايات المتحدة خلفا لكينيدى. كانت سياسة الرئيس جونسون مختلفة تماما عن كينيدى، فيما يتعلق بإسرائيل فضلا عن حرصه على استمرار الدعم الأمريكى لها، وأهمية إرضاء اللوبى الصهيونى، وما يعنيه هذا من غض النظر عن البرنامج النووى الإسرائيلى. أتاح هذا لإسرائيل أن تتقدم فى برنامجها النووى، حيث حصلت من فرنسا على مفاعلات متقدمة ودعم فنى، مما أتاح لها إنتاج رؤوس نووية حوالى عامى ١٩٦٦-١٩٦٧. وقد رصدت أقمار صناعية أمريكية التفجيرات النووية الاختبارية لإسرائيل فى هذا الخصوص. لم يعر الرئيس جونسون لهذه المعلومة الهامة أى اعتبار أو اهتمام، بل وكشف العدوان الإسرائيلى على مصر وسوريا فى ١٩٦٧ واحتلالها سيناء وهضبة الجولان عن موقف أمريكا المتحيز تماما لإسرائيل فى جلسات مجلس الأمن حول هذا العدوان فى ذلك الحين.

ونظرة مكملة على الساحة العربية فى السنوات اللاحقة، حيث لم يتح لأى من الدول التى أعربت عن عزمها امتلاك مفاعلات نووية فى السنوات اللاحقة للأحداث السابقة مثل العراق وليبيا ومصر، أن تقترب من هذا المطلب. ونعرف ما جرى لعراق صدام ولليبيا القذافى حيث تم تقويض النظامين تحت دعاوى كاذبة. ولا تستطيع السعودية أو مصر الخوض فى مسعى امتلاك مفاعلات نووية يمكن أن تتحول إلى إنتاج يورانيوم متوسط أو عالى التخصيب، حتى لو كان لأغراض سلمية.

الحالة الإيرانية الراهنة أشد وطأة من منظور إسرائيل والولايات المتحدة، لسبب بسيط أنها تجاهر بالعداء لإسرائيل لأسباب موضوعية تتعلق بأن إسرائيل دولة توسعية مغتصبة لحقوق الفلسطينيين وتتوسع بالقوة العسكرية فى فلسطين وسوريا وغزة ولبنان مؤخرا. الجانب الآخر أن إيران لها أذرع فى غزة ولبنان واليمن، وهى أذرع نشطة عسكريا فى مقاومتها للاحتلال الإسرائيلى فى الأراضى التى تسيطر عليها. وقد استطاعت إسرائيل واللوبى الصهيونى المتغلغل والمؤثر فى المجتمع الأمريكى وأوروبا أن يسمى أعمال مقاومة هذا الاحتلال إرهابا. وهو طعم بلعته أيضا الكثير من دول العالم ومنها الدول العربية. برز على السطح خلال هذه الأوضاع، أن إيران هى المعقل الوحيد الذى يهدد طموحات إسرائيل التوسعية وهيمنتها وتفوقها العسكرى ووحشيتها اللاإنسانية. وقد بلع العالم الطعم الذى وضعته إسرائيل والولايات المتحدة، حول خطورة امتلاك إيران لسلاح نووى أو حتى يورانيوم يستخدم للأغراض السلمية. وتم تجاهل وغض النظر عن أن التهديد الحقيقى للسلام فى الشرق الأوسط هو امتلاك إسرائيل فعليا لرؤوس نووية متقدمة. فهذه القدرة بالإضافة إلى توسعها الجغرافى دون رادع فى أراضى فلسطين وغزة وسوريا ولبنان تجعلها فى ظل اليمين الصهيونى الذى يحكم الآن فى الولايات المتحدة واليمين الإسرائيلى المتطرف القائم الآن، فرصة ذهبية للقضاء على القدرة الإيرانية التى تمثل آخر معاقل المقاومة والتصدى للطموح التوسعى الإسرائيلى.