كانت «أم عمرو» حائرة، وأولادها الـ 3 يسألونها: «يا ماما.. هننام فين النهارده»، بدا عليها التعب من سهر 3 أيام متتالية، منذ نشوب حريق مغلق الأخشاب بعزبة خير الله فى مصر القديمة بالقاهرة، مجهول السبب حتى الآن، وانتشاره إلى من أسفل المنطقة الجبلية إلى علو حيث دمر عدد كبير من المنازل ما أسفر عن تشريد 12 أسرة، حين عجزت السيدة الأربعينية عن إجابة تقدمها لأطفالها، أصغرهم 5 سنوات، لم يكن أمامها مفر سوى بكاؤها المتواصل «هنروح فين بالعيال.. معنديش مأوى تانى».

«أم عمرو» وجدت نفسها وسط النيران يوم الحادث دون سابق إنذار «شوفت النار بتزحف على بيتنا والبيوت الملاصقة»، وفجأة «الحريقة عليت للسما، والدخانة عمتنا عن الرؤية»، وتروى أن «اللى كان يهمنى فى الأول إنى اجرى بالعيال»، متصورةً أن قوات الحماية المدنية التى استدعاها الأهالى «هتطفئ النيران، ويمكن يوم ولا حاجة ونرجع تانى»، إلا أن الصدمة كانت «بيتنا اللى 3 أدوار اتساوى خالص بالأرض».

لا تعرف الأم لـ 3 أطفال كيف تدبر وجبات أولادها ولا ملابسهم «مفيش حد قدمنا لينا أى مساعدة، الجيران وهما على قد حالهم زينا، اللى كانوا بيجيبوا لينا الأكل والشرب»، ولكن المأساة بالنسبة لها «مش عارفين ننام، عندى بنتين، وإزاى ست زيى تنام فى الشارع وسط الرجالة، صحيح بيتنا بسيط قوى، بس ده كان ساترنا، ده لو عملوا لينا خيم ننام فيها أرحم من حالنا دلوقتى».

مع بزوغ الشمس، زوج «أم عمرو» لا يستطيع التوجه إلى عمله ليس فقط لشدة الأرق الذى أصابه جراء قلة النوم وحده، لكن لأن معدات شغله بالنقاشة كلها تدمرت واحترقت عن آخرها «كنت حاططها فى أوضة فوق السطوح، والنار مخلتش البيت نفسه، فما بالك بحاجات الشغل»، يقول إنه «أرزقى، وشغال يوم بيومه، ومعنديش دخل ثابت، ومعرفش أشوف شقة إيجار ألم فيه العيال».

استيقظ الخمسينى «حسن» (صنايعى تركيب واجهات)، مبكرًا بفعل «العادة اليومية» التى لم تكسرها الكارثة بعد.. تحركت يداه بشكل لا إرادى للبحث عن حباله، وأحزمة الأمان، ومعدات الثقب والتركيب التى كان يضعها دائمًا بجواره ليخرج إلى شقائه، لكنه بمجرد أن فتح عينيه، اصطدم بركام منزله والحديد الملتوى الذى تحول إلى رماد.

وقف «حسن» طويلاً أمام حطام رزقه، والناس من حوله يستعدون للحركة، بينما هو عاجز عن الخطوة الأولى، يقول لـ«المصرى اليوم»: «صحيت على ميعاد شغلى كالعادة، جسمى أخدنى إنى ألمّ العدّة وأنزل.. لكن افتكرت إن مفيش عدة أصلاً، ومفيش بيت،. أنا راجل أرزقى، والعدّة دى كانت إيدى ورجلى فى الدنيا، محوش ثمنها قرش على قرش وتساوى أكتر من 80 ألف جنيه.. الناس طالعة تسعى على أكل عيشها مع الشمس، وأنا قاعد جنب عيالى فى الشارع مش عارف هروح شغلى إزاى ومن غير أدواتى؟.. الصدمة مش بس فى الحيطان اللى وقعت، الصدمة إن الماكينات اللى بتجيب لقمة العيش بقت تراب». ومع انتصاف الشمس فى كبد السماء، واشتداد حرارة النهار التى ضاعفت من قسوة الأجواء، بدأت تظهر مأساة من نوع آخر؛ مأساة التدبير اليومى للحياة الإنسانية البسيطة فى غياب تام للمرافق، هناك، فى زاوية الشارع، تلتف سيدات المنطقة حول العجوز «أم مروة»، التى تمثلت كارثتها فى فقدان كل مقومات الحياة الأساسية، تجلس السيدة السبعينية واجمة وهى تنظر إلى أوانى الطهى المتفحمة وثلاجتها التى دُمرت بالكامل.

«النار لم تترك لنا ملعقة واحدة، ولا حتى بوتاجاز صغير.. انقطاع الكهرباء والمياه والغاز خلى إعداد وجبة طعام للأطفال شئ مستحيل.. العيال هتموت من الجوع، ومفيش مياه نظيفة ولا حاجة نغسل وشهم من التراب وريحة الدخان»، تقول «أم مروة»: «النهار بيهون علينا، ولما بيجى الليل علينا بنشيل الهم، وخايفين على الولاد من الكلاب الضالة».

وتتحرك السيدات فى حلقة تضامنية، هذه تحاول تنظيف ما يمكن إنقاذه من أوانٍ مشوهة، وتلك تبحث عن زجاجات مياه صالحة للشرب من البيوت المجاورة التى لم تصلها النيران، فى محاولة لصناعة «حياة مؤقتة» على الرصيف وسط النهار، بانتظار حل يحميهم من كارثتهم.

ومع منتصف الليل، تفترش العائلات المتضررة الأرصفة المجاورة لبيوتهم، وسط ظلام دامس فرضته شبكات الكهرباء والغاز المقطوعة عقب الحريق.

على حجر إسمنتى برز من حطام منزل انهار ثلثاه، يجلس الأربعينى مصطفى كامل، واضعًا كفيه بين ركبتيه، خرج الرجل من جحيم النيران بجلبابه الذى يرتديه فقط، وبلا أى شيء آخر، يقول إن «النار مخلتش لينا فرصة نفكر، سحبت أولادى الـ 4 وزوجتى وخرجنا بسرعة.. ومفكرناش فى حاجة تانية.. إحنا دلوقتى فى الشارع بلا أى أوراق ثبوتية.. عندى عيال لازم أقدم لها فى المدرسة وورقنا كله اتحرق».

على بعد خطوات قليلة، تجلس «أم أحمد»، محتضنة أحفادها الـ 3 فى محاولة يائسة لحمايتهم من لسعات برد الليل ومن بقايا الدخان المتصاعد، الأطفال لم يناموا جيدًا، فالخوف من عودة «الوحش الكاسر»، كما وصفوا الحريق، ما زال يسيطر عليهم.

بين كل دقيقة وأخرى، يشق صوت طفل صغير هدوء الليل بسؤال مكرر: «يا تيتا، هنمشى من هنا إمتى ونروح ننام فى سريرنا؟»، تعجز الجدة عن الإجابة، فتكتفى بضم الصغير إلى صدرها بقوة وهى تمتم بالدعاء.

تقول السيدة الستينية لـ«المصرى اليوم»: «قطع الكهرباء بيزيد العيال رعب، وريحة الدخنة والرماد اللى تخنق لسة موجودة».

المأساة تكتمل ملامحها مع كبار السن الذين باغتتهم النيران وهم يعانون أمراض الشيخوخة، «إبراهيم»، رجل مسن شارف على الـ 70، يجلس على مرتبة ممزقة تبرع بها أحد الجيران من الشوارع المحيطة، يجد صعوبة فى التنفس بسبب الدخان المستمر منذ ساعات طويلة، لكنه يرفض مغادرة محيط أنقاض بيته: «عشت عمرى كله هنا، بنيت هذا البيت طوبة طوبة مع أولادى من عرقنا كـ (صنايعية).. فى لحظة واحدة عاد كل شيء إلى الصفر».

بدورها، باشرت النيابة العامة تحقيقاتها للوقوف على ملابسات الحادث، حيث انتقل فريق من محققى النيابة إلى موقع «عزبة خير الله» لإجراء المعاينة التصويرية للمنازل المتفحمة ومغلق الأخشاب المحترق، وأصدرت النيابة قرارًا بانتداب خبراء الإدارة العامة للمعمل الجنائى (الأدلة الجنائية) لرفع الآثار وفحص نقطة البداية والنهاية للحريق، وتحديد الأسباب الفنية والمادية التى أدت إلى نشوب النيران وانتشارها.