القربى: مظالم اليمن لا تخص الجنوب وحده والحل يجب أن يكون شاملاً
قال وزير الخارجية اليمنى الأسبق الدكتور أبو بكر القربى، إن التعامل مع بدايات الحراك الشعبى المطالب بالتغيير فى اليمن قام بالأساس على قناعة داخلية بأن التغيير بات ضرورة حتمية، وأن المطالب الشعبية فى هذا السياق كانت مشروعة ولا يمكن تجاهلها.
وأضاف القربى، خلال لقاء فى برنامج «الجلسة سرية»، الذى يقدمه الإعلامى والكاتب الصحفى سمير عمر، على شاشة «القاهرة الإخبارية»، أن الإشكالية لم تكن فى فكرة التغيير ذاتها، بل فى كيفية إدارة هذا التغيير والوصول إليه بطريقة سلمية ومنظمة، بما يضمن الحفاظ على استقرار الدولة وتجنب الانزلاق إلى الفوضى.
وأكد القربى أن هذه المرحلة شهدت فتح مسارات متعددة للحوار السياسى بين مختلف الأطراف، بهدف معالجة حالة الاحتقان القائم، من خلال طرح ملفات إصلاحية شملت تعديل الدستور، وإصلاح قانون الانتخابات، وتوسيع صلاحيات الحكم المحلى، باعتبارها أدوات لمعالجة التظلمات السياسية والاجتماعية المتراكمة.
وأشار القربى إلى أن هذه الحوارات كانت تستهدف الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة داخل اليمن، وتضع أسساً لإصلاحات تدريجية فى بنية النظام السياسى، بما يحقق استجابة لمطالب الشارع ويمنع تفاقم التوترات التى كانت تتصاعد آنذاك فى المشهد الداخلى.
تعاملنا مع مطالب التغيير كان بدافع إنقاذ الدولة لا النظام
قال وزير الخارجية اليمنى الأسبق إن استجابة السلطة فى اليمن للمطالب السياسية خلال مرحلة ما قبل 2011 لم تكن بدافع الهروب من مصير محتوم، بل جاءت نتيجة قناعة حقيقية بضرورة الإصلاح، خاصة فى ظل تصاعد الضغوط الداخلية والدولية مع بدايات ما عُرف بـ«الربيع العربي».
وأضاف القربى، أن التفاعل مع تلك المطالب كان يستهدف بالأساس محاولة الحفاظ على كيان الدولة واستقرارها، أكثر من كونه دفاعاً عن النظام السياسى القائم، مشيراً إلى أن الأولوية كانت منع انهيار مؤسسات الدولة فى ظل حالة الاحتقان المتصاعدة.
وأكد أنه لا يفصل بين مفهوم الدولة والنظام فى السياق اليمنى من الناحية العملية، موضحاً أن التحدى الحقيقى كان يتمثل فى الحفاظ على الدولة ومؤسساتها، لأن تغيير الأشخاص لا يعنى بالضرورة حل المشكلات البنيوية التى تعانى منها البلاد، والتى ظلت قائمة دون معالجة جذرية.
وأشار القربى إلى أن شعار «ارحل» قد يكون موجهاً لشخص بعينه، لكنه لا يمكن تطبيقه على الدولة أو النظام كمنظومة كاملة، لافتاً إلى أن أى انتقال سياسى كان يتطلب معالجة شاملة لمشكلات الدولة العميقة، وليس مجرد تغيير فى الوجوه، لأن استمرار نفس التحديات دون إصلاح حقيقى كان سيؤدى إلى إعادة إنتاج الأزمة بشكل مختلف.
مظالم اليمن لا تخص الجنوب وحده والحل يجب أن يكون شاملاً على مستوى الدولة
قال أبو بكر القربى إن الحديث عن المظالم فى اليمن لا يمكن حصره فى منطقة الجنوب فقط، مشيراً إلى أن مختلف المحافظات اليمنية، شمالاً وجنوباً، تعانى من مشكلات ومظالم متفاوتة، ما يستدعى مقاربة شاملة لمعالجتها على مستوى الدولة ككل.
وأضاف أن معالجة الاختلالات لا يمكن أن تتم عبر حلول جغرافية أو مناطقية، موضحاً أنه فى حال تم إصلاح الأوضاع فى بعض المحافظات مثل صنعاء وعدن، مع بقاء بقية المناطق فى أوضاع متردية، فإن حالة الاحتقان ستظل قائمة وستتجدد المطالبات بالحقوق والمساواة.
وأكد القربى أن الاعتقاد بأن الانفصال يمكن أن يكون حلاً للمظالم هو تصور غير دقيق، لافتاً إلى أن التجارب التاريخية قبل الوحدة اليمنية أظهرت وجود مظالم أيضاً فى الشمال والجنوب على حد سواء، وبالتالى فإن المشكلة ليست مرتبطة بمنطقة بعينها وإنما ببنية الدولة وآليات إدارتها.
وأشار إلى أن بعض المظالم التى ظهرت بعد حرب عام 1994 فى المحافظات الجنوبية، مثل تسريح بعض الجنود وقطع مرتباتهم، تمثل مظالم فردية أو حالات محددة، لكنها لا تعكس بالضرورة صورة شاملة على مستوى الوطن، مؤكداً أن الحل الحقيقى يكمن فى إصلاح شامل يعالج جذور الاختلالات ويضمن العدالة على مستوى الدولة بأكملها.
التغيير فى المنطقة كان مطلوباً والتنسيق السياسى استهدف احتواء موجة التحولات
قال وزير الخارجية اليمنى الأسبق إن المعالجات المتعلقة ببعض قضايا ما بعد حرب 1994 فى المحافظات الجنوبية كانت ممكنة وسهلة التنفيذ، خصوصاً فيما يتعلق بعودة الموظفين والجنود إلى أعمالهم داخل مؤسسات الدولة، مؤكداً أن المشكلة كانت فى استثمار تلك القضايا سياسياً بما أدى إلى تعقيد الحلول بدلاً من تسهيلها.
وأضاف القربى، أن النقاشات داخل الحزب الحاكم آنذاك كانت تتناول تطورات الأوضاع فى المنطقة مع تصاعد موجات الاحتجاج فى تونس ثم مصر وليبيا وسوريا واليمن، مشيراً إلى أن هناك إدراكاً عاماً بأن موجة التغيير باتت قادمة إلى المنطقة بأكملها.
وأكد أن التعامل مع تلك المرحلة كان قائماً على قراءة مفادها أن التغيير أصبح مطلباً إقليمياً لا يمكن تجاهله، وأن التحدى الأساسى كان يتمثل فى كيفية إدارة هذا التحول بطريقة تحفظ استقرار الدول ومؤسساتها، لافتاً إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت، بحسب تعبيره، تدفع باتجاه التغيير فى عدد من دول المنطقة، وليس فى اليمن فقط، بما فى ذلك مصر ودول أخرى.
وأشار القربى إلى أن بعض الأدوات الدولية، ومنها منظمات المجتمع المدنى وبعض التيارات الشبابية، لعبت دوراً فى رفع شعارات التغيير داخل دول تمتلك هامشاً من الديمقراطية، وهو ما ساهم فى تسريع وتيرة الأحداث، وصولاً إلى موجات الاحتجاجات التى شهدتها المنطقة وأدت إلى تغييرات سياسية عميقة فى عدة دول.
التحول فى اليمن كان نتيجة تراكمات داخلية واستثمار خارجى للمظالم وليس مؤامرة خالصة
قال أبو بكر القربى إن ما شهدته اليمن والمنطقة من تحولات سياسية لم يكن نتيجة «مؤامرة» خالصة، بل جاء نتيجة تداخل عوامل داخلية وخارجية، مشيراً إلى أن بعض القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، كانت تدفع باتجاه التغيير فى المنطقة لكنها اعتمدت على استثمار مظالم حقيقية موجودة داخل المجتمعات.
وأضاف القربى، أن الأنظمة السياسية فى اليمن وفى دول أخرى تتحمل بدورها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، لأن الاستجابة لمطالب الإصلاح كانت تحتاج إلى مبادرة مبكرة وجدية لمعالجة الاختلالات قبل تفاقمها.
وأكد أن النقاشات داخل السلطة آنذاك كانت تدرك أن التغيير أصبح أمراً مطروحاً على مستوى المنطقة، وأن التعامل مع هذه المرحلة كان يجب أن يركز على الإصلاح الداخلى وإنقاذ الدولة، أكثر من محاولة الحفاظ على شكل النظام السياسى، لافتاً إلى أن الأولوية كانت منع انهيار مؤسسات الدولة.
وأشار القربى إلى أن الرئيس اليمنى الراحل على عبد الله صالح كان قد عبّر فى أكثر من مناسبة عن إدراكه المبكر لاحتمال حدوث تغييرات فى المنطقة منذ مطلع الألفية، إلا أن سرعة التحولات وتعقيداتها جعلت من الصعب مواكبة التطورات بشكل كامل، رغم أن السنوات التى سبقت 2011 شهدت محاولات إصلاح وحوار استمرت لسنوات قبل انفجار الأوضاع.
