Logo
logo-icon

من النسخة الورقية | العدد : 8024 | جميع الأعداد

ثقافة

«سداسيات محمد بغدادي».. تُسطّر تاريخ الوجع المصري

شاعر العامية الذي رفض أن يكون ظلاً لصلاح جاهين يعترف كيف صنع «الموال السداسي» الخاص به

الأربعاء 03-06-2026 05:33
كتب: ربيع السعدني  
محمد بغدادى
محمد بغدادى
محمد بغدادى
محمد بغدادى

في ديوان «سداسيات» للشاعر والكاتب الصحفي محمد بغدادي، الصادر عن سلسلة «كتاب القارئ» نلتقي بتجربة شعرية جديدة، لشاعر رفض أن يكون ظلًا لصلاح جاهين، فخلق له عالمه الخاص، مستلهمًا «الموال السداسي» الشعبي، ليروي به هموم وأوجاع المصريين على مدار أربعة عشر عامًا كاملة.

«السداسيات» ليست مجرد قصائد كما المعتاد، بل مذكرات شعرية شبه يومية، كُتبت تحت ضغط الالتزام الصحفي الأسبوعي في مجلة «صباح الخير»، وتحولت مع الزمن إلى سجل حيّ في ستة أسطر لنبض الشارع المصري في نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الجديدة، وتحديدا بين عامي (1989-2002)، اختير منها ما يناسب الديوان ليبقى صالحًا للقراءة ولو بعد حين من الدهر.كيف ولدت فكرة السداسيات؟

تُعدّ فكرة «سداسيات» محمد بغدادي واحدة من أندر التجارب في الشعر العامي المصري الحديث، لأنها لم تنشأ من رغبة شخصية حرة، بل من تكليف صحفي تحول تدريجيًا إلى مشروع إبداعي استمر أربعة عشر عامًا، ففي صباح عام 1989، استدعاه الصحفي والإعلامي الراحل مفيد فوزي، رئيس تحرير مجلة «صباح الخير» آنذاك، ليكتب رباعية أسبوعية على غرار ما كان يكتبه جاهين في الستينات، رفض الأمر بشدة في البداية، معتبرًا أن رباعيات جاهين «لا تُكتب إلا مرة واحدة، ولا يجوز محاكاتها»، فما كان من فوزي إلا أن تناول ورقة زرقاء — الورقة الشهيرة التي يكتب عليها مقالاته — وكتب عليها بخطه الأنيق: «يكلف الشاعر محمد بغدادي بكتابة رباعية أسبوعية تنشر بمجلة صباح الخير»، ثم وقّع بقلم عريض، هذه اللحظة تحولت إلى نقطة تحول في حياة الشاعر، فضحك بغدادي، وقال: «طالما الأمر وصل إلى حد التكليف، فاسمح لي ألا تكون رباعية... بل سداسية».

أخبار متعلقة

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

وسأله فوزي: «ما الفرق؟»، فشرح له بغدادي أن في التراث الشعبي المصري «الموال السداسي» المكون من ستة أبيات، وأنه سبق له تجربته مع الفنان الشعبي حسن الشرق بالتعاون مع المركز الثقافي الألماني، وأصدر ديوانًا بهذا النظم نُشر بأربع لغات (العربية، الألمانية، الإنجليزية، الفرنسية)، أحضر له نسخة من ذلك الديوان في اليوم التالي، فأعجب فوزي بالفكرة لأنها تنأى بهم عن محاكاة جاهين، استمرت التجربة أربعة عشر عامًا، كُتبت كل ثلاثاء في مكتب المجلة، تحت ضغط النشر .

خلاف آخر نشأ بين فوزي وبغدادي حول العنوان الأسبوعي للأبيات، أصر الأول على أن يكون «وجع»، معتبرًا أن السداسيات تعبر عن أوجاع الشارع المصري، أما بغدادي فاعترض بشدة وأصر على «سداسيات»، في النهاية نفذ التكليف، لكن العنوان «وجع» ظل يُستخدم أحيانًا.

كان يوم الثلاثاء يومًا مقدسًا في حياة بغدادي طوال 14 عامًا، يجلس في مكتبه بالمجلة ويكتب السداسية تحت ضغط النشر الأسبوعي، كان يظن أن التجربة لن تستمر أكثر من عام أو عامين، مثل تجربة جاهين، لكنها استمرت بـ«قدرة قادر» من 1989 حتى 2002، جمع بغدادي «السداسيات» أكثر من مرة، لكنه كان يتراجع عند إعادة القراءة لأن بعضها ارتبط بأحداث زائلة، عندما اتصل به الشاعر حسام العقدة للنشر في سلسلة «كتاب القارئ»، عاد ليختار من بين 728 سداسية ما يحتفظ بعموميته وقدرته على مخاطبة القارئ بعد مرور الزمن.

كان الاختيار صعبًا ومضنيًا، ترك بعض النصوص القوية التي أعجبت الكثيرين لأن «سقف حرية النشر» وقت كتابتها كان مرتفعًا، ولم يعد يستطيع نشرها الآن، واليوم يأمل بغدادي أن يصدر جزءًا ثانيًا في المستقبل إذا سمحت الظروف.

كسر القواعد في «السداسيات»

«السداسية» عند بغدادي ليست ملتزمة دائمًا بالقوالب الشعرية التراثية الصارمة في قافية الموال السداسي (أ أ أ أ ب أ أو أ أ أ ب ب أ)، بل تكسرها أحيانًا وتخلق إيقاعها الخاص بلغة عامية مصرية حية، قريبة من كلام الناس الشعبي أو «صوت الشارع»، لكنها مصقولة بذائقة الشاعر، بما يكفي لتتحمل التكرار والغناء، لا يلتزم دائمًا بقواعد الموال السداسي التقليدية، بل يكسرها أحيانًا ليخلق إيقاعًا خاصًا يتناسب مع تنوع الموضوعات، من نسمة الربيع على شط النيل، إلى مرارة الغلاء في رمضان، إلى ألم الاحتلال والازدواجية الدولية، هذا الاختيار والتنوع يجعل القصيدة تتنفس مع الشارع، لا فوقه بإيقاع يشبه نسمة الصباح، ندية، خفيفة، متدفقة، وبهية، غير متكلفة.

السقوط في فخ «الوجع»

في «السداسيات» يمتزج الشخصي بالعام، عن فرح المواطن الصغير، وجعه اليومي، وحلمه البسيط في العيش بكرامة، تراه في بعض القصائد يتحدث عن النيل المحاصر بالحصون والسيراميك، وعن التعليم الذي تحول إلى تجارة، وتارة أخرى يكتب عن "الوجع" الذي أراد له رئيس التحرير أن يكون عنوانًا، أما في قصائد «الحرب والسلام»، فيتدفق بغزارة في التعبير عن مرارة عن الغزو والاحتلال والازدواجية الدولية، بأسلوب يجمع بين حب الوطن العميق والألم، كما خطّ في أبياته: «محلى البلاد والولاد راجعين الأحضانها.. عاد الولد للبلد باس الأرض وحضنها»، محولاً الألم السياسي إلى شعر وطني يحمل حبًا عميقًا لمصر وأحلامها المؤجلة، كـ تعبير مؤثر عن الحنين والانتماء، وفي نقد الازدواجية الدولية يكتب: «والأمريكان كافؤه بـ (فيتو) وميت مليار، وقالوا له: اصرف دول، وتعالى خد تاني؟!» يستخدم اللهجة الشعبية ليفضح التناقضات الدولية دون أن يفقد بوصلته الشعرية، لا يصل إلى حد الخطابة، بل يبقي الشعر شعرًا، وإن كان مباشرًا أحيانًا، لكنك تتذوق خلف الأبيات طعم الصدق، وفي قصائد متفرقة عنونها بـ«منوعات» تمزج بين الحب، السخرية الاجتماعية، والتأمل مثل قصيدة عن الفساد والأمل، أو تلك التي تصور الخوف المتربص: «الخوف المستخبي فى عيون كل العباد، اتسّحَب لحد عندي وزارني في الميعاد».

هموم «القارئ العادي» في السداسيات

الديوان بشكل عام يدور حول هموم «القارئ العادي»، كما قال بغدادي نفسه، لا يطارد الأساطير ولا يغرق في التجريب، بل يرصد ما يراه الناس يوميًا مثل غلاء الكنافة والياميش في رمضان، زحمة المدارس، برد الشتا الذي «خلع باب بيتنا»، حر الصيف الذي يدفع العائلة للبحث عن مصيف، و«القلق» الدائم الذي يزور الإنسان في الصباح، وحر الصيف الذي يدفع العائلات للهروب، ثم يلتقط في قصيدة عن الكنافة المشهد الشعبي بمرارة خفيفة وحس فكاهي، «أول ما لمحت عنيا سعر الكنافة الجديد.. قال اللي واقف ورايا: ما تخلي قلبك حديد»، في سخرية مريرة من غلاء «الفرحة الرمضانية»، يلتقط بغدادي تفاصيل الحياة المصرية بدقة مصور محترف.وفي سداسية أخرى شهيرة ينقد نفسه بحدة دون حرج، «ساعات باكون مهموم وساعات باكون عادي، وساعات باقوم من النوم معرفش أولادي.. مشكلتي مش في البشر، مشكلتي في عنادي»، هنا يظهر بغدادي كإنسان قبل أن يكون شاعرًا، يعترف بعناده وقلقه وتردده، القصيدة عند بغدادي تتحول إلى اعتراف حميم، يقترّب أكثر من قارئه، وصولا إلى تصالحه مع ذلك، «سعيد بهذا القلق وسعيد بأحوالي في كل يوم بانجلد .. ولا شيء بيحلالي»، يحوّل القلق إلى رفيق دائم، يعكس حالة الإنسان المعاصر تحت ضغوط الحياة.

أما الطبيعة، فهي ملاذه الشعري، تارة يغني للربيع وتارة أخرى يتباهى بالنيل بإحساس حسّي رقيق، «بحب فصل الربيع واعشق تفاصيله، على شط نهر النيل فارش مناديله، الورد طالع يغني لابس جديد في جديد»، والنيل عنده ككائن حي مظلوم، محاصر بالحصون والسيراميك، يئن من البعد عن عشاقه.

غلاف ديوان محمد بغدادى
غلاف ديوان محمد بغدادى

هذه الصور الجمالية والمشاهد المرسومة بحرفية فنان كببر، تحول الطبيعة إلى شاهد على الزمن المتغير، وعن المدارس يكتب ملهاته وكل المصريين، «يا موسم المدارس يا ناوي ع الدخول، الهم في قلبي غارس.. مطلوب فورا ملابس ودروس من تاني يوم»، يصور الشاعر موسم العودة إلى المدارس كعبء اقتصادي ثقيل على كاهل الأسر، أما الصيف والبلاج، فكتب عن وجوه أثرت فيه على الشاطئ: «على البلاج شفتها .. ولا أميرة ويلز، حلوة حلاوة يا جدع بالشورت أو بالجينز» بخفة ظل وإحساس حسيّ خفيف، يليه الهرب العائلي بحثًا عن مصيف أو براح آمن.

نبض الشارع في ستة أسطر

تكمن قوة «سداسيات بغدادي» في استمراريتها كسجل يومي لمصر وناسها في حقبة معينة، كأنها مذكرات شعرية للشارع، أما حدودها فتأتي من طبيعة الكتابة الأسبوعية، بعض النصوص يبدو فيها التكرار أو الاقتصار على الوصف السطحي المجرد، وبعضها تأثر بالضغط الزمني فجاء أقل تماسكًا.

لكنه في المقابل أنتج لحظات ومشاهد صادقة ومؤثرة، خاصة حين تحدث عن الحب، أو الطبيعة، أو مجرد مشاهد الخوف الوجودي البسيطة، بعبارات مكتوبة باللغة التي يتكلمها الناس، في عصر استبد فيه الشعر بالتعقيد أو الانغلاق، لتبقى هذه «السداسيات» كـ نافذة حرية وطاقة نور مفتوحة على هموم المواطن المصري البسيط، وشاهد أمين على زمن مصري، يفرح ببساطة الورد، يئن من موجات الغلاء، يغضب من الظلم، ولكنه يظل يحلم حتى السطر الأخير.

loader
loader