منجى علي بدر: مصر أبرز القادرين على التأثير في معادلات الشرق الأوسط (حوار)

في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية غير مسبوقة، تتداخل فيه الصراعات مع المصالح الاقتصادية، وتتنافس القوى الدولية على إعادة رسم خرائط النفوذ، تبرز مصر كأحد أبرز الفاعلين القادرين على التأثير في معادلات المنطقة وصياغة مستقبلها.

وبين تحديات الأمن الإقليمي، وتقلبات الاقتصاد العالمي، والتحولات المتسارعة في موازين القوى، تتجه الأنظار إلى الدور المصري باعتباره أحد ركائز الاستقرار وصناعة التوازنات الجديدة.

وفي حوار مع «الدستور»، يؤكد الوزير المفوض الدكتور منجى علي بدر، عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للأمم المتحدة، أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد بؤرة أزمات تقليدية، بل أصبح ساحة لإعادة هندسة النفوذ الإقليمي والدولي، مشيرًا إلى أن مصر انتقلت من دور الدولة المتأثرة بالأحداث إلى دولة مؤثرة في قواعد اللعبة الإقليمية والدولية.

ويتناول الحوار انعكاسات التوترات الجيوسياسية على الاستثمارات الأجنبية، ودور الدبلوماسية الاقتصادية في دعم الاستقرار والتنمية، ومستقبل التكامل العربي، فضلًا عن تأثير السياسات النقدية العالمية على الاقتصادات الناشئة، ورؤيته لمستقبل المنطقة في ظل ما وصفه بـ«الاستقرار الديناميكي» القائم على مزيج من التنافس والتعاون بين القوى الفاعلة.

كيف تقيمون المشهد السياسي في المنطقة وتأثيره على الاستقرار الإقليمي؟

لم يعد الشرق الأوسط مجرد مسرح أزمات تقليدية، بل تحول إلى “ساحة إعادة هندسة جيوسياسية” تُعاد فيها صياغة موازين القوة ليس فقط بين الدول، بل بين نماذج الحكم والاقتصاد والتحالفات، فالمشهد الحالي لا يمكن قراءته بمنطق الاستقرار أو الاضطراب، بل بمنطق “إعادة التشكيل القسري” الذي تفرضه صدمات متلاحقة، منها حروب ممتدة، وتحولات في مراكز الطاقة، وتغير في قواعد الاقتصاد العالمي.

 

ما انعكاس التوترات الجيوسياسية على تدفقات الاستثمار الأجنبي في المنطقة؟

على الرغم من الحديث عن “استقرار نسبي”، تكشف الأرقام عن صورة مختلفة، حيث يعيش 65% من سكان المنطقة في دول تتأثر بشكل مباشر بصراعات سياسية وأمنية، كما أن الإنفاق العسكري في الشرق الأوسط تجاوز 200 مليار دولار سنويًا، مما يجعله من أعلى المعدلات عالميًا مقارنة بحجم الناتج المحلي، وهذه المؤشرات لا تعكس فقط حجم التوتر، بل تشير إلى معادلة خطيرة، وهي: كل دولار يُنفق على السلاح هو دولار يُسحب من الاستثمار في التنمية.

ولكن المفارقة أن هذه البيئة المضطربة نفسها أصبحت عامل جذب لنوع جديد من النفوذ الدولي، حيث تتنافس قوى كبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا على إعادة رسم خرائط النفوذ، ليس عبر الاحتلال، بل عبر الاقتصاد والطاقة وسلاسل الإمداد.

 

كيف تنعكس التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة على تعزيز مكانة مصر سياسيًا على الساحة الدولية؟

لا يمكن قراءة التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة كتحركات تقليدية، بل كجزء من استراتيجية أعمق لإعادة التموضع، فمصر لم تعد تكتفي بدور الوسيط، بل تتحول تدريجيًا إلى “محور تلاقي مصالح”، والدليل على ذلك يتجسد في 3 مسارات متوازية:

  • المسار السياسي: لعبت مصر دورًا حاسمًا في إدارة ملفات معقدة مثل غزة ولبنان، مما أعاد تثبيت موقعها كفاعل لا يمكن تجاوزه في معادلات الأمن الإقليمي.
  • المسار الاقتصادي: استقطبت مصر استثمارات أجنبية مباشرة تجاوزت 14 مليار دولار سنويًا في المتوسط، بجانب طفرات استثنائية في بعض الصفقات الكبرى.
  • المسار الجيو-اقتصادي: إن موقع مصر، خاصة قناة السويس، يمنحها ميزة تنافسية، حيث يمر عبرها نحو 12% من التجارة العالمية، وهي نسبة تعني أن أي اضطراب في مصر هو اضطراب في الاقتصاد العالمي، وهذه العوامل مجتمعة تعكس تحول مصر من “دولة متأثرة” إلى “دولة مؤثرة في قواعد اللعبة”.

 

ما أبرز التحديات السياسية التي تواجه المنطقة حاليًا.. وكيف يمكن التعامل معها؟

التحديات السياسية: إن التحدي الأكبر في المنطقة ليس وجود صراعات، بل طبيعة هذه الصراعات، حيث إنها صراعات طويلة الأمد بلا حسم، مع تداخل بين الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، وتزايد دور بعض الجماعات.

وهذه العوامل تخلق ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد الفوضى»، حيث تستفيد بعض الأطراف من استمرار الأزمات، والحل هنا لا يكمن في تسويات جزئية، بل في إعادة بناء مفهوم الأمن الإقليمي ليشمل: الأمن الاقتصادي، والأمن الغذائي، والأمن المائي، والأمن الطاقوي.

 

كيف يمكن للدبلوماسية أن تلعب دورًا في دعم الاستقرار الاقتصادي؟

الدبلوماسية الاقتصادية هي السلاح الجديد في عالم لم تعد القوة تُقاس فيه بعدد الدبابات، بل بقدرة الدولة على جذب الاستثمارات وتأمين سلاسل الإمداد. وتشير بيانات دولية إلى أن الدول ذات الاستقرار السياسي النسبي تجذب استثمارات أعلى بنسبة تتراوح بين 20% و30%، وكل زيادة بمقدار نقطة واحدة في مؤشر الاستقرار السياسي ترفع تدفقات الاستثمار الأجنبي بنحو 0.5% من الناتج المحلي، وهنا تلعب الدبلوماسية دورًا حاسمًا، ليس فقط في تخفيف التوترات، بل في تسويق الدولة اقتصاديًا.

 

كيف ترون دور مصر في جذب الاستثمارات الأجنبية؟

أعادت التوترات الجيوسياسية تشكيل خريطة الاستثمار العالمي، فبدلًا من الانتشار الواسع أصبح المستثمرون يميلون إلى «التمركز الآمن».

وفي هذا السياق، تراجعت الاستثمارات في بعض مناطق النزاع بنسبة تصل إلى 15%، بينما ارتفعت في دول مستقرة نسبيًا في المنطقة بنسبة تتراوح بين 10% و20%. ومصر استفادت جزئيًا من هذا التحول، لكنها تواجه منافسة شرسة من دول تقدم حوافز أكثر مرونة وسرعة في الإجراءات.

 

إلى أي مدى تؤثر السياسات النقدية العالمية على اقتصادات الدول النامية؟

السياسات النقدية العالمية هي العامل الخفي في الأزمة، فعندما يرفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة، فإن التأثير لا يقتصر على الاقتصاد الأمريكي، بل يمتد كـ«صدمة مالية» للدول الناشئة، وخلال الفترة الأخيرة، ارتفعت تكلفة الاقتراض الخارجي للدول الناشئة بأكثر من 150 إلى 300 نقطة أساس، كما خرجت مليارات الدولارات من الأسواق الناشئة بحثًا عن عوائد أعلى في الولايات المتحدة، وتمثلت النتيجة في ضغوط على العملات، وارتفاع في التضخم، وتآكل في القدرة الشرائية.

 

كيف يمكن تعزيز التكامل الاقتصادي العربي في ظل التحديات السياسية الراهنة؟

لا تزال التجارة البينية العربية أقل من 10% من إجمالي التجارة الخارجية، مقارنة بأكثر من 65% داخل الاتحاد الأوروبي، وهذا الرقم وحده يكشف حجم الفرصة الضائعة.

ولكن الجديد هو أن الضغوط العالمية، خاصة اضطرابات سلاسل الإمداد، أعادت إحياء فكرة التكامل، ليس كشعار سياسي، بل كضرورة اقتصادية، وتكمن الفرص الحقيقية في إنشاء سلاسل إنتاج عربية مشتركة، والتكامل في قطاعي الغذاء والطاقة، وتطوير ممرات لوجستية تربط آسيا بأوروبا عبر المنطقة.

 

ما رؤيتكم لمستقبل العلاقات الاقتصادية والسياسية بين دول المنطقة خلال السنوات القادمة؟

لن تشهد السنوات المقبلة استقرارًا تقليديًا، بل «استقرارًا ديناميكيًا» قائمًا على التوازن بين التنافس والتعاون، والسيناريو الأكثر ترجيحًا هو صعود دور الدول المحورية، وفي مقدمتها مصر، كجسور بين القوى المتنافسة.

ويمر الشرق الأوسط من مرحلة أزمة إلى مرحلة إعادة تعريف ذاته، وفي قلب هذه اللحظة تقف مصر أمام فرصة تاريخية، إما أن تتحول إلى مركز ثقل اقتصادي وسياسي يعيد تشكيل المنطقة، أو تظل لاعبًا مهمًا في لعبة يصنعها الآخرون، وتشير المعادلة إلى أن من يمتلك القدرة على الجمع بين الدبلوماسية الذكية، والاقتصاد القوي، والاستقرار الداخلي، هو من سيكتب قواعد المرحلة القادمة.

تم النشر في
مصنف كـ 7 موسوم كـ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *