في الذكرى الـ29 لرحيل راوية عطية أول امرأة مصرية دخلت البرلمان، تستحضر مصر سيرة واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في التاريخ المصري الحديث، إذ ارتبط اسمها بريادة غير مسبوقة في المجالين السياسي والعسكري، وامتد تأثيرها ليصبح علامة فارقة في مسيرة تمكين المرأة في مصر والعالم العربي.
سجل التاريخ الوطني
وقد جسدت مسيرتها نموذجًا للمرأة التي كسرت القيود الاجتماعية في زمن كانت فيه المشاركة النسائية في الحياة العامة محدودة للغاية، لتصنع لنفسها مكانة استثنائية في سجل التاريخ الوطني.
وُلدت راوية شمس الدين عطية في 19 أبريل 1926 بمحافظة الجيزة، ونشأت في أسرة ذات اهتمام سياسي، إذ كان والدها يشغل منصب الأمين العام لحزب الوفد بمحافظة الغربية.
التحقت بمدرسة الأميرة فوزية الثانوية في سن مبكرة، وشاركت خلال سنواتها الدراسية في مظاهرات ضد الاحتلال البريطاني، كما برزت كشخصية قيادية بين زميلاتها.
وقد تشكل وعيها السياسي في هذه الفترة المبكرة، وعُرفت بشخصيتها الرافضة للظلم والمدافعة عن حقوق المرأة.
وبعد حصولها على الثانوية العامة، التحقت بكلية التربية جامعة القاهرة قسم التاريخ، ثم واصلت مسيرتها التعليمية لتحصل على دبلوم كلية التربية، ودبلوم علم النفس، إلى جانب دبلوم في الصحافة وبعض الدراسات الأخرى.
وبعد التخرج، عملت بالتدريس لمدة 15 عامًا، كما امتهنت الصحافة لمدة سنوات، وتدربت على يد عدد من الصحفيين المعروفين، ثم عملت مع أسماء بارزة في المجال الصحفي، مما أكسبها خبرة واسعة في المجال الإعلامي والفكري.
ومع قيام ثورة 23 يوليو 1952، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ المرأة المصرية، حيث حصلت على حقوقها السياسية والاجتماعية، وصدر دستور 1956 الذي نص على المساواة بين الرجل والمرأة ومنحها حق الانتخاب والترشح.
وفي ضوء ذلك، فُتح باب الترشح لانتخابات 1957، حيث تقدمت عدد من السيدات، وكان من بينهن راوية عطية التي حظيت بترشيح هيئة التحرير التنظيم السياسي للثورة.
وفي 14 يوليو 1957، سجل التاريخ دخولها البرلمان المصري بعد فوزها عن محافظة القاهرة، لتصبح أول امرأة مصرية تدخل مجلس الأمة، في انتخابات شهدت مشاركة نسائية واسعة لأول مرة.
وخلال عملها البرلماني، ركزت على القضايا الاجتماعية والتعليمية والصحية، ودافعت عن حقوق المرأة وتمكينها، مما أسهم في تعزيز حضورها في الحياة السياسية.
أوائل السيدات اللاتي انخرطن في العمل العسكري
وفي المجال العسكري، تقلدت راوية عطية رتبة نقيب عام 1956 ضمن وحدة كوماندوز نسائية في الجيش المصري، لتصبح من أوائل السيدات اللاتي انخرطن في العمل العسكري في هذا التوقيت.
كما لعبت دورًا اجتماعيًا ووطنيًا بارزًا، حيث شاركت خلال حرب السويس (العدوان الثلاثي) في تنظيم وتدريب السيدات على الإسعافات الأولية والتمريض ضمن جهود دعم المصابين. وساهمت أيضًا في استقبال الجرحى وتقديم الرعاية لهم، واستمرت في هذا الدور خلال نكسة 1967 من خلال المشاركة في الأعمال الإغاثية والدعم الاجتماعي.
وخلال حرب أكتوبر 1973، ترأست جمعية أسر الشهداء والمحاربين، وأُطلق عليها لقب “أم الشهداء المقاتلين”، حيث قامت بزيارات يومية للجنود على الجبهة. وقد حصلت على نوط الجيش الثالث لحرب أكتوبر، ودرع القوات المسلحة، ودرع الجيش الثالث، كما تم اختيارها الأم المثالية عام 1967، ونالت نوط الواجب من الطبقة الأولى من الرئيس أنور السادات. وأسست كذلك جمعية رعاية أسر الجنود والشهداء، وامتد نشاطها الإنساني ليشمل دعم برامج التدريب والإسعاف والدفاع المدني، ومنها مشاركتها في دعم السيدات الكويتيات خلال حرب العراق والكويت.
وفي عام 1993 تولت منصب رئيس المجلس القومي للأسرة والسكان، واستمرت في أداء دورها الوطني والإنساني عبر مختلف مراحل حياتها. وقد ارتبط اسمها كذلك بلقب “أول امرأة تدخل البرلمان المصري والعربي”، باعتبارها رمزًا لمرحلة تاريخية فارقة في تمكين المرأة سياسيًا داخل المنطقة العربية.
رحلت راوية عطية في 9 مايو 1997، بعد مسيرة طويلة من العطاء الوطني والإنساني والسياسي والعسكري، لتبقى سيرتها شاهدًا على تجربة رائدة كسرت الحواجز، وفتحت الطريق أمام أجيال من النساء للمشاركة الفاعلة في بناء الوطن وصناعة مستقبله.