تؤسس قمة ” أفريقيا إلى الأمام” التي تعقد بالعاصمة الكينية نيروبي بعد غد الأحد ولمدة يومين بمشاركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزعماء الدول الإفريقية وقادة الأعمال والمؤسسات المالية الدولية وشركاء التنمية لمرحلة جديدة من الشراكة الفرنسية الإفريقية ترتكز على المنفعة المتبادلة واحترام السيادة الوطنية ومواجهة التحديات الاقتصادية الدولية التي تؤثر سلبا على التنمية المستدامة بالقارة السمراء.
إفريقيا إلى الأمام
ويركز جدول أعمال قمة ” إفريقيا إلى الأمام” – وهي مبادرة مشتركة بين فرنسا وكينيا بقيادة الرئيسين إيمانويل ماكرون، وويليام روتو -على قضايا السلام والأمن، وتفعيل التمويل المستدام وإصلاح النظام المالي الدولي، والتحولات في قطاع الطاقة والتصنيع الأخضر وتطوير الاقتصاد الأزرق والبنية التحتية والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والزراعة المستدامة، والأمن الغذائي، والصحة.
وستفتتح القمة بمنتدى أعمال يتناول فرص الاستثمار، والمبادرات المؤثرة، والتعاون الناجح بين أفريقيا وفرنسا من خلال عرض مشاريع وابتكارات ومبادرات يقودها القطاع الخاص.
كما سيتضمن المنتدى جلسات رئيسية تركز على الشباب وقطاعات التوظيف، مع التركيز بشكل خاص على قصص النجاح إلى جانب عروض استثمارية، بما يعزز موقع أفريقيا كمركز عالمي ناشئ للابتكار والفرص.
وتكتسب القمة أهميتها في ضوء المتغيرات “الجيوسياسية” التي تشهدها مناطق عديدة في العالم، وتفاقم أزمتي الطاقة والأمن الغذائي وتداعيات التغيرات المناخية والتطورات التكنولوجية، وارتفاع معدلات التضخم، وتأثر سلاسل الإمداد العالمية بشكل كبير جراء التوترات الإقليمية والنزاعات المسلحة، مما انعكس سلبًا على الأسواق والنمو الاقتصادي العالمي بالإضافة إلى تفاقم أزمات ديون الدول النامية ومن بينها الإفريقية.
ورغم تفاقم أزمات الديون، أشارت مؤسسات مالية دولية إلى أن نحو 11 دولة إفريقية جاءت ضمن قائمة أعلى الدول من حيث النمو الاقتصادي العام الماضي بفضل التعافي والاستقرار بعد النزاعات والإصلاحات الهيكلية والتنويع في قطاعي الخدمات والتصنيع والتحول من الاعتماد بشكل رئيسي على المساعدات إلى الاستثمارات.
تباطؤ معدلات نمو الاقتصاد وارتفاع معدلات التضخم
وأوضح البنك الإفريقي للتنمية أن 15 دولة أفريقية سجلت نموا اقتصاديا بأكثر من 5 في المائة عام 2025 رغم الصدمات العالمية المتلاحقة والتي تسببت في تباطؤ معدلات نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع معدلات التضخم.
وتهدف مبادرة “أفريقيا إلى الأمام 2026” إلى دفع عجلة الابتكار، وتعزيز الشراكات، ودعم النمو المستدام والشامل وإيجاد حلول عملية للتحديات المشتركة، بدءًا من التنمية الاقتصادية وصولًا إلى الحوكمة العالمية.
ومن المتوقع أن تشهد القمة أيضا مشاركة واسعة لرجال أعمال ومسؤولين اقتصاديين، إلى جانب الإعلان عن مشاريع واستثمارات جديدة بين فرنسا والدول الأفريقية.
وسوف تسهم مناقشات القمة في دعم أجندة فرنسا داخل مجموعة السبع، لا سيما فيما يتعلق بإصلاح المؤسسات الدولية لتعزيز تمثيل أفريقيا في الحوكمة العالمية وهو يعد مطلبًا استراتيجيا ملحا تتبناه القارة لضمان نظام دولي أكثر عدالة وتوازنًا.
وتعد أفريقيا حاليا قارة الفرص حيث تضم اقتصادات رقمية متنامية وسوقا كبيرة علاوة على مواردها الطبيعية والبشرية الضخمة.
وحرصت الدول الكبرى على تعزيز شراكتها الاقتصادية والتجارية مع القارة الإفريقية وخاصة في أعقاب إطلاق منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية التي تعد الأكبر على المستوى العالمي منذ تأسيس منظمة التجارة العالمية عام 1995، حيث تضم نحو 54 دولة بإجمالي عدد مستهلكين حوالى 2ر1 مليار شخص، وناتج محلي إجمالي يقدر بنحو 4ر3 تريليون دولار، أي 3 في المائة من الناتج الإجمالي العالمي.
وتستهدف منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية زيادة حجم التجارة البينية الأفريقية وتقليص السلع المستوردة بشكل رئيسي، وبناء القدرات التصنيعية والإنتاجية وتعزيز مشروعات البنية التحتية بالقارة الأفريقية وخلق سوق قاري موحد للسلع والخدمات وتسهيل حركة المستثمرين ورجال الأعمال بما يمهد الطريق لإنشاء اتحاد جمركي موحد بالقارة السمراء.
وتركز “أجندة الاتحاد الإفريقي عام 2063 “على ضرورة الاهتمام الكافي بالشباب الأفريقي الذي يشكل ركيزة مستقبل القارة، وتعزيز الاستثمار فيه ولاسيما أن اكثر من 60 في المائة من سكان القارة الإفريقية من الشباب، وتعزيز التحول الرقمي وإزالة القيود التي تواجه عملية التكامل التجاري على المستويين الإقليمي والقاري وزيادة الاستثمارات المشتركة وتعزيز بيئة الاستثمار ومواجهة التحديات الاقتصادية والتجارية من خلال البحث عن حلول تمويلية للمشروعات خاصة في مجالات مواجهة تحديات التغيرات المناخية، وتعزيز الشراكات الاستراتيجية لدعم التنمية المستدامة بإفريقيا.
ومن جهة أخرى حرصت فرنسا على إعادة صياغة استراتيجيتها الاقتصادية في أفريقيا حيث نأت بنفسها في السنوات الأخيرة عن ما يطلق عليه ” الخطاب الأبوي” للمساعدات والتنمية في تعاملاتها مع القارة من خلال التركيز بشكل أكبر على المشاركة في مجالات الاستثمار والتجارة، وهو ما يعرف ب “الشراكات المتوازنة”، وتشجيع الشركات الفرنسية على زيادة استثماراتها بإفريقيا وحشد التمويل للشركات الإفريقية والفرنسية العاملة بالقارة السمراء.
وتسعى فرنسا إلى زيادة استثماراتها في قطاعات اقتصادية حيوية بالقارة الإفريقية كالمواني والطاقة والممرات اللوجستية والاتصالات والاقتصاد الرقمي وحماية الأمن السيبراني.
ومن المتوقع أن تتيح قمة ” أفريقيا إلى الأمام ” الفرصة لفرنسا لموائمة استراتيجيتها الاستثمارية مع أولويات التنمية المستدامة في أفريقيا ولاسيما من خلال دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وسلاسل القيم الإقليمية.
ويرى محللون اقتصاديون أن التعاون بين الجانبين يأتي في سياق أوسع يتمثل في المصالح الاقتصادية الأوروبية حيث ينظر الاتحاد الاوروبي إلي أفريقيا كشريك رئيسي في تنويع سلاسل التوريد وتأمين المواد الخام اللازمة للتحول الأخضر والتصنيع.
وأعلنت فرنسا دعمها للصناعات التحويلية الإفريقية وهو يشكل خروجا عن النماذج السابقة التي كانت تركز على صادرات المواد الخام.
ومن ناحية أخرى كشفت شركات فرنسية عديدة من بينها توتال انيرجيز وأورانج وبولورية لوجستيكس وغيرها عن استثمارات ضخمة في العديد من الدول الأفريقية.
وشهد الاستثمار الفرنسي المباشر في أفريقيا تطورا عام 2025 مع التركيز على تحويل الشراكات من مساعدات تقليدية إلى استثمارات اقتصادية استراتيجية.. حيث تشير الإحصائيات إلى أن إجمالي حجم الاستثمار المباشر الفرنسي في قارة إفريقيا زاد بنحو 25 في المائة ليتراوح ما بين 65 و68 مليار يورو خلال الفترة من 2024 / 2025 مقابل حوالى 52 مليار يورو عام 2018/2019.
ويتمثل أحد التحولات الرئيسية في العلاقات الاقتصادية الفرنسية مع القارة الإفريقية في زيادة حجم التجارة مع اقتصاديات الدول الإفريقية الناطقة بالانجليزية مقارنة بالدول الناطقة بالفرنسية بالقارة وهو تحول مدفوع بالسعي للاستفادة من الفرص الاقتصادية والتجارية المتاحة وتعزيز الشراكات التجارية مع تلك الدول.
وتؤكد المؤشرات أن قمة ” أفريقيا للإمام ” سوف تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة المتوازنة بين فرنسا والقارة الإفريقية وسط سباق محموم من جانب القوى الاقتصادية الكبرى لتعزيز تواجدها بالأسواق الإفريقية.